بحري.. ذاكرة الإسكندرية الحيّة بين الموج والتاريخ

في أقصى الطرف الغربي من مدينة الإسكندرية، حيث يلتقي البحر بالبيوت القديمة، وتقف المراكب الخشبية شاهدة على قرون من الحكايات، تمتد منطقة بحري كواحدة من أقدم وأصدق مناطق عروس البحر المتوسط. ليست بحري مجرد حي شعبي يطل على البحر، بل هي قطعة حيّة من تاريخ الإسكندرية، ومرآة تعكس تحولات المدينة منذ نشأتها الأولى وحتى يومنا هذا، محتفظة بروحها رغم كل التغيرات.
موقع استثنائي وتاريخ متجذر
تقع بحري في قلب حي الجمرك، وتحدها من الشرق منطقة الأنفوشي، ومن الغرب الميناء الغربي، ومن الجنوب منطقة المنشية، بينما يفتح البحر ذراعيه شمالًا ليمنحها هويتها الأساسية. هذا الموقع جعلها على مدار التاريخ نقطة تماس مباشرة مع البحر، ومركزًا لحياة الصيد والملاحة، وبوابة لعبور الثقافات والتجارة.
ترجع جذور بحري إلى العصور الإسلامية الأولى، حيث نشأت كمنطقة سكنية للصيادين والبحارة، الذين اتخذوا من شاطئها مأوى دائمًا لهم ولمراكبهم. ومع مرور الزمن، أصبحت بحري جزءًا لا يتجزأ من النسيج العمراني والاجتماعي للإسكندرية القديمة، واحتفظت بطابعها الشعبي رغم التوسع العمراني الذي اجتاح المدينة.

بحري في العصر الإسلامي
في العصر الإسلامي، خاصة خلال الفاطميين والمماليك، اكتسبت بحري أهمية استراتيجية واقتصادية. كانت قريبة من الموانئ، ومحاطة بالأسوار والحصون، ما جعلها خط الدفاع الأول عن المدينة. وارتبطت المنطقة بالأنشطة البحرية، من صيد الأسماك إلى نقل البضائع، فضلًا عن كونها موطنًا للعديد من الحرف المرتبطة بالبحر.
كما شهدت بحري نشاطًا دينيًا ملحوظًا، تجسد في المساجد والزوايا القديمة التي ما زال بعضها قائمًا حتى اليوم، مثل مسجد أبو العباس المرسي القريب منها، والذي شكل محورًا روحيًا وثقافيًا للمنطقة بأكملها.

العصر العثماني وبداية التحولات
مع دخول العثمانيين إلى مصر، استمرت بحري في أداء دورها البحري، لكنها شهدت تحولات عمرانية محدودة، تمثلت في بناء بعض المنشآت الخدمية والمخازن المرتبطة بالميناء. وظلت المنطقة محتفظة بطابعها البسيط، حيث البيوت المتلاصقة، والشوارع الضيقة، والحياة اليومية التي تدور حول البحر.
في تلك الفترة، كانت بحري ملجأً للفقراء والبحارة، ومكانًا يختلط فيه المحلي بالوافد، ما خلق حالة فريدة من التنوع الثقافي، انعكست في اللهجة، والعادات، وحتى في المطبخ السكندري.

بحري في القرن التاسع عشر: بين محمد علي والتحديث
شهدت الإسكندرية في عهد محمد علي باشا نهضة كبيرة، وكان لذلك أثر غير مباشر على بحري. فمع تطوير الموانئ وبناء الترسانة البحرية، ازدادت أهمية المنطقة، وارتبط سكانها بشكل أوثق بالأنشطة البحرية الرسمية.
ورغم أن مشاريع التحديث الكبرى ركزت على مناطق أخرى من المدينة، ظلت بحري محافظة على هويتها الشعبية، لتصبح شاهدًا على الفارق الطبقي والعمراني داخل الإسكندرية، بين أحياء أوروبية الطابع وأحياء مصرية خالصة.
العمارة في بحري: بساطة تحكي تاريخًا
تتميز عمارة بحري بالبساطة والعملية. البيوت القديمة، ذات الشرفات الخشبية والنوافذ الصغيرة، بنيت لتقاوم رطوبة البحر، وتستوعب حياة جماعية قائمة على الترابط الاجتماعي. الأزقة الضيقة ليست مجرد ممرات، بل مساحات تفاعل يومي، حيث يعرف الجميع بعضهم البعض، وتتداخل الخصوصية مع الجماعية.
كما تنتشر في بحري بعض المباني التاريخية التي تعكس فترات مختلفة من تاريخ الإسكندرية، من بقايا الأسوار القديمة إلى المخازن والمراسي الصغيرة، التي كانت تستخدم في تحميل وتفريغ الأسماك والبضائع.

الصيد.. العمود الفقري لحياة بحري
لا يمكن الحديث عن بحري دون التوقف عند مهنة الصيد، التي شكلت العمود الفقري لاقتصاد المنطقة لعقود طويلة. فمع شروق الشمس، تتحرك المراكب الخشبية الملونة، وتعود محملة بخيرات البحر، لتبدأ دورة حياة يومية يعرف تفاصيلها كل من عاش في بحري.
لم تكن مهنة الصيد مجرد مصدر رزق، بل أسلوب حياة، توارثته الأجيال، وارتبط بعادات وتقاليد خاصة، من الاحتفال بالمواسم الجيدة، إلى طقوس الخروج للبحر، وحتى الأغاني الشعبية التي كان يرددها الصيادون.

بحري في الوجدان السكندري
احتلت بحري مكانة خاصة في الوجدان السكندري، وظهرت في الأدب والسينما والأغاني. فقد كانت دائمًا رمزًا للإسكندرية الحقيقية، البعيدة عن الصورة السياحية اللامعة، والقريبة من الناس وحياتهم اليومية.
كتب عنها الأدباء باعتبارها مساحة للحنين، ومسرحًا للحكايات الإنسانية البسيطة، حيث الحب والفقر والكفاح اليومي. كما ظهرت في العديد من الأفلام التي تناولت حياة الصيادين والطبقات الشعبية، لتصبح خلفية بصرية وإنسانية لا تُنسى.
التحولات المعاصرة والتحديات
في العقود الأخيرة، واجهت بحري العديد من التحديات، من تراجع مهنة الصيد بسبب التغيرات البيئية والاقتصادية، إلى الضغوط العمرانية، وتهالك بعض المباني القديمة. كما أثرت مشروعات التطوير في محيطها على نمط الحياة التقليدي لسكانها.
ورغم ذلك، لا تزال بحري صامدة، تحاول التكيف دون أن تفقد روحها. فالسكان ما زالوا متمسكين بعاداتهم، والبحر ما زال حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، حتى وإن تغيرت المراكب وقلت أعداد الصيادين.

بحري بين الماضي والمستقبل
تمثل بحري اليوم معضلة حقيقية بين الحفاظ على التراث ومتطلبات التطوير. فهي منطقة ذات قيمة تاريخية وإنسانية كبيرة، تحتاج إلى رؤية متوازنة تحافظ على هويتها، وفي الوقت نفسه تحسن مستوى المعيشة لسكانها.
إحياء بحري لا يكون بهدمها وإعادة بنائها، بل بترميم ذاكرتها، ودعم أنشطتها التقليدية، ودمجها في خريطة السياحة الثقافية للإسكندرية، باعتبارها متحفًا مفتوحًا لحياة البحر والمدينة.
بحري ليست مجرد حي على أطراف الإسكندرية، بل روح تسكن المدينة منذ قرون. هي صوت الموج، ورائحة السمك الطازج، وحكايات الصيادين، وذاكرة لا تزال تقاوم النسيان. وبين ماضيها العريق وحاضرها المتغير، تظل بحري شاهدًا حيًا على تاريخ الإسكندرية الحقيقي، الذي لا يُقرأ في الكتب فقط، بل يُعاش في الأزقة، وعلى الشاطئ، وبين الناس.



